الشيخ السبحاني
160
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل
في مسيركم وأنتم سائرون ، وفي مقامكم وأنتم مقيمون ، وفي منصرفكم وأنتم منصرفون ، ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين ولا إليه مضطرين . فقال الشيخ : كيف لم نكن في شيء من حالاتنا مكرهين ولا إليه مضطرين وكان بالقضاء والقدر مسيرنا ومنقلبنا ومنصرفنا . فقال أمير المؤمنين : أو تظن أنّه كان قضاء حتما ، وقدرا لازما ؟ إنّه لو كان كذلك لبطل الثّواب والعقاب ، والأمر والنهي ، والزّجر من اللّه تعالى ، وسقط معنى « الوعد والوعيد » ولم تكن لائمة للمذنب ، ولا محمدة للمحسن ، ولكان المذنب أولى بالإحسان من المحسن ، ولكان المحسن أولى بالعقوبة من المذنب . . . وتلك مقالة إخوان عبدة الأوثان ، وخصماء الرحمن ، وحزب الشيطان ، وقدريّة هذه الأمة ومجوسها « 1 » . وإنّ اللّه كلف « تخييرا » ونهى « تحذيرا » وأعطى على القليل كثيرا ، ولم يعص مغلوبا ولم يطع مكرها ، ولم يملك مفوّضا ، ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا ، ولم يبعث النبيين مبشرين ومنذرين عبثا ، ذلك ظن الذين كفروا ، فويل للذين كفروا من النار « 2 » . 7 - وقال أمير المؤمنين عندما سئل عن القضاء والقدر : « لا تقولوا وكلهم اللّه إلى أنفسهم فتوهنوه ، ولا تقولوا أجبرهم على المعاصي فتظلموه ، ولكن قولوا الخير بتوفيق اللّه والشر بخذلان اللّه ، وكلّ سابق في
--> ( 1 ) قد أطلق الإمام لفظ القدرية هنا على مثبتي القدر لا نفاته على خلاف ما اشتهر بين المتكلمين . ( 2 ) التوحيد للصدوق ، ص 380 ، ح 28 . وهذا الحديث الذي نقلناه ذكره الكليني المتوفى عام 329 ه في كافيه ، والشيخ الصدوق المتوفى عام 381 ه . في توحيده ، والشريف الرضي المتوفى عام 406 في نهج البلاغة . وما أفرغه ( عليه السّلام ) في هذه الخطبة لا يمتاز عن سائر خطبه وكلمه . والعجب كل العجب من الدكتور علي سامي النشار الذي نقل الحديث في كتابه نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام ، ج 1 ، ص 411 ، عن كتاب المنية لابن المرتضى ، وزعم أنه من موضوعات المعتزلة وأنّ أسلوب الكلام فيه يمتاز عن أسلوب علي ( عليه السّلام ) . ولكنه غفل عن أن الحديث منقول في كتب السلف من الشيعة الذين لا يمتّون إلى المعتزلة ولا إلى غيرهم من الفرق بصلة ، وللتفصيل مجال آخر .